أحمد عمراني
تعاملي مع الدين لم يكن ثابتا بل متذبذبا ومتموّجا. عرف تعاملي معه عدة تطوّرات وفق عدة جوانب خاصة أو تتجاوزني مثلا : الانتقال من مجتمع مسلم إلى آخر غير مسلم، والمطالعة والبحث، ومشاكلي النفسية والمادية.
مع فترة الثانوية بدأت أسئلتي عن العدل الإلهي، وعن وجود الشرّ في العالم، وعن حدود دخول القدرة الإلهية في حياتنا. كلها أسئلة أفهمتني وأقنعتني، أن التصوّر السنّي لا يصمد أمام هذه الأطروحات.
الإسلام السنّي الذي كنت أقرأ له في تلك الفترة، كان بالأساس إخوانيا : محمد الغزالي، يوسف القرضاوي، وسيّد قطب... فكان آخر همّه أسئلتي، بل كان إسلامهم يتوجه صوب النضال، والسياسة البراغماتية فقط؛ إسلامهم هو محاربة الغرب والاستبداد السياسي الوطني، ومحاولة الحصول على السلطة. مع الفترة الجامعية فهمت أنّ هناك تديّنا أو دينا اجتماعيا، منفصل تمام الانفصال عن دين النصوص (القرآن، والسنّة، واجتهادات الفقهاء عبر التاريخ ).
ينبني الدين الاجتماعي على المظاهر فقط؛ مظاهر الخطاب والاستدلال قولا فقط، بالقرآن والسنّة وبعض الأقوال والأدعية، وأفضلية الإسلام على غيره من الديانات. علاوة على مظاهر اجتماعية خاصة بالعبادات، مثل الألبسة كالحجاب للنساء، والعباءة واللحية للرجال، وبناء المساجد في كل الأحياء بشكل هوسي، وتحويل شهر رمضان، إلى موسم تجاري، تفاخري، وفلكلوري. كما نلاحظ أن الأئمة يتزلفون لأصحاب المال في الجنائز والأعراس.
فهمت أيضا أن الصلاح الديني والعباداتي، لا يعني أبدًا الصلاح الاجتماعي. بالعكس كلما زادت مظاهر التديّن زاد الفساد والظلم والانتهازية.
في فرنسا اهتممت بالنصوص التأسيسية الأولى للدين (قرآن، وسنة، واجتهادات الفقهاء)، هكذا تبيّن لي أن الفهم السليم لهذه النصوص، هو أنها نصوص مرتبطة بزمنها وبسياقها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ولم تكن نصوصا صالحة لكل زمان ومكان.
هكذا لا يمكن تطبيق أحكام القرآن أو غيره، التي تنظم العلاقات الاجتماعية في كل الأزمنة والجغرافيات. قطع اليد لا يصلح إلا في ذلك الزمن للسارق مثلا. والعدل القرآني أو السني أو الفقهي لا يصلح إلا لزمن صدروه. وكل زمن يحتاج إلى عدل ومساواة وكرامة خاصة به.
فهمت أيضا أن محاولة فرض أو تطبيق أحكام الدين التي في النصوص، على زمننا، هي محاولة رجعية لا تنتج إلا مجتمعا يكثر فيه النفاق الاجتماعي والانتهازية والتسلط.
أهم نقطتين فهمتهما في حياتي مع الدين: