لم تكن ليلى تؤمن بالمصادفات. كانت تعمل أمينة مكتبة قديمة في حي هادئ من أحياء دمشق، وتعرف أن كل كتاب يصل إليها له سبب. لكنها لم تتخيل يوما أن صندوقا خشبيا مغبرا، وصل ضمن تركة رجل توفي قبل عشرين عاما، سيقلب حياتها رأسا على عقب.
كان على الصندوق اسم واحد منقوش بخط باهت: سليم الرفاعي.
الأحداث
في الليلة الأولى فتحته، فوجدت فيه دفتر مذكرات بغلاف جلدي متآكل. قلبت صفحاته على ضوء المصباح، ثم توقفت عند آخر سطر. كانت الجملة مكتوبة بحبر أسود لم يجف كما يبدو:
"سيطرق أحدهم بابك في الثالثة فجرا. لا تفتحي له."
ضحكت ضحكة قصيرة وأغلقت الدفتر وقالت لنفسها إن أحدهم يمزح معها. لكن الساعة الجدارية دقت الثالثة بعد ساعتين، وجاءها طرق على باب المكتبة. طرقتان خفيفتان، ثم صمت، ثم طرقتان.
لم تتحرك من مكانها. بقيت تحدق في الباب حتى دخل الضوء من النافذة، ولم تسمع شيئا بعدها.
عاد الطرق في الليلة الثانية، وفي الثالثة كان أعلى وأشد إلحاحا. وفي الصباح الرابع وجدت على العتبة وردة ذابلة وورقة صغيرة مكتوبة بخط مرتعش: "لا أريد أن أؤذيك. أريد أن أخرج فقط."
جلست ليلى على الأرض وقرأت الدفتر من أوله إلى آخره دون أن ترفع رأسها. اكتشفت أن سليم لم يكن كاتبا عاديا، بل كان يدون منذ سنين ما يحدث في هذه المكتبة بالذات: أصوات خلف الرفوف، وكتب تغير مكانها ليلا، وغرفة صغيرة خلف الجدار الشرقي لم يعثر لها على باب مهما بحث.
وفي الصفحة الأخيرة سطر بحبر أحدث من كل ما قبله:
"إن كنت تقرئين هذا فقد تأخرت. هو في الداخل معك."
النهاية
في الليلة الخامسة لم تنتظر ليلى الطرق. وقفت أمام الجدار الشرقي قبل الثالثة بخمس دقائق، وفي يدها مطرقة صغيرة، وبدأت تكسر الجص بيدين ترتجفان.
ظهرت خلف الجدار غرفة ضيقة فيها كرسي ومكتب وشمعة مطفأة، وعلى المكتب مرآة صغيرة مغطاة بقطعة قماش. رفعت القماش ببطء.
لم ترَ وجهها في المرآة. رأت رجلا عجوزا ينظر إليها بعينين دامعتين ويبتسم ابتسامة من انتظر طويلا. وحين لمست الزجاج، جاءها صوته من كل زاوية في الغرفة:
"شكرا يا ليلى. انتظرت عشرين سنة حتى يفتح لي أحد الباب من الداخل. لكن الباب لا يفتح إلا لمن سيبقى مكاني."
سمعت خلفها صوت الجدار يعود إلى مكانه وحده.
وفي الصباح دخل عمال النظافة فوجدوا المكتبة مفتوحة، والدفتر على المكتب، وقد أضيف إلى آخره سطر جديد بخط أنثوي أنيق:
"سيطرق أحدهم بابك في الثالثة فجرا. لا تفتحي له."