عليك أن تكون هادئا فحسب ..
أن تستيقظ صباحا وترتدي وجهك البشوش وتعدل ياقة قميصك وتسرح شعرك كولد مهذب وتغسل أسنانك جيدا ..
عليك أن تكون هادئا وتمسك زمام خوفك ، حنقك ، سخطك وتبتلع شتائمك شتيمة شتيمة هكذا بدون ماء ولا عصير ..
عليك أن تخرج من البيت بشكل محترم وتصافح الشوارع ..
شارعا شارعا..
عليك أن تمسح بيدك رأس رصيف بائس ..
تقبل وردة من فمها ..
وتحيي جدارا باهت ، طاعنا في الهشاشة ..مكتظا بالندوب ..
ولا تنسى أن تبق هادئا قدر المستطاع ..
وزع الابتسامات على الجميع بالتساوي ، لا تنسى بناءً ولا سباكا ولا تاجرا ولا عامل نظافة ..
لا تنسى عجوزا ولا شيخا ولا طفلا يجر محفظته ..
لا تنسى متشردا يدخل رأسه في كيس القمامة ..
ولا عاهرة خرجت للتو من البار تفوح منها رائحة البيرة ..
لا تنسى حشاشا ولا سكيرا ولا قوادا ولا فقيرا يتوسل بعينيه الرغيف ..
ثم اذهب لعملك ..منتشيا بالأسى
ولا تنسى أن تحافظ على معدل المرارة في حلقك ، وأنت تلوك حزن العالم بأكمله..وتبصق الحياة
عليك أن تكون هادئا فحسب ..
خروفا مطيعا ..
يلعق قدم الحاجة ..
يشرح لمدير عمله النتن أسباب تأخره في الإستيقاظ ..
ينسج الكذب مثلما تنسج الجدات سترات دافئة لأحفادهن ..
يختلق الأعذار ..عذرا وراء عذر ..
لكي يحفظ ماء جيبه ..
يا للعار ، ضع حياتك في كيس بلاستيكي واخنقها حالا
ولا تنسى أن تكون هادئا ..
هادئا فحسب كالذين ماتوا الآن وحيدين
دون أن يشعر بهم أحدا ..
هادئا مثل هاوية ، تفتح قلبها للخائبين ..
سيغفر لك الله هذه الحقارة ..
وأنت تحاول رغم هذا القرف أن تستمتع بيومك
وأن تعود في المساء للبيت ، حاملا معك قفة من بهجة وتورتة ضخمة ..
اتركها في المطبخ على الطاولة ..
وستهتم أمك بتقسيمها بينكم بالعدل طبعا ..
وستوهمكم - مثلما تفعل دائما - أنها تركت نصيبا لها ..
وستصدقونها لأن الأم لا تكذب حتى وإن اعترفت بذلك
في نهاية الأمر ..
ستدلف غرفتك وحيدا ..
مثقلا بأشياء غامضة ..
وغير مفهومة ..، ستعلق وجهك البشوش على مشجب الباب
وستلقي بجسدك على السرير ..
جسدك الذي يتآكل بما لا يمكن إيقافه ..
ستشعر أن روحك تحولت إلى قرص مضغوط
وأن الأصوات المخزنة بإشارات رقمية تذوب بسرعة ..
وأنك الآن في هذا الوقت الحرج ..
لا تعرف كيف أمضيت يوما هادئا والكون يعصر قلبه بداخلك ..
#تباا لك إذا كنت تظنها حياة ......